محمد متولي الشعراوي
1407
تفسير الشعراوى
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 27 ) ( سورة آل عمران ) فإذا كان هناك إنسان لم يفطن أبدا لمسألة إيلاج الليل في النهار أو إخراج الحي من الميت ، فإنه لا بد أن يلتفت إلى رزقه ، فكل واحد منا يتصل برزقه قهرا عنه ، ولذلك جاء الحق سبحانه بهذا الأمر الواضح : « وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » وساعة تسمع كلمة « حساب » فإنك تعرف أن الحساب هو كما قلنا سابقا : يبين لك مالك وما عليك . وعندما نتأمل قول الحق : « وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » . فإننا نعلم أن « الحساب » يقتضى « محاسبا » - بكسر السين ويقتضى « محاسبا » - بفتح السين ويقتضى « محاسبا عليه » ، إن الحساب يقتضى تلك العناصر السابقة . فعندما يقول الحق : « وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » فلنا أن نقول : ممن ؟ ولمن ؟ من أين يأتي الرزق ؟ وإلى أين ؟ إنه يأتي من اللّه ، ويذهب إلى ما يقدره اللّه لأن اللّه هو الرزّاق ، وهو الحق وحده ، وهو الذي لا يستطيع ولا يجرؤ أحد على حسابه ، فهو سبحانه الذي يحاسبنا جميعا ، لا شريك له ، وهو الفعال لما يريد . إن الحساب يجريه اللّه على الناس ، وهو سبحانه لا يعطى الناس فقط على قدر حركتهم في الوجود ، بل يرزقهم أحيانا بما هو فوق حركتهم . وقد يرزقك اللّه من شئ لم يكن محسوبا عندك ؛ لأن معنى الحساب هو ذلك الأمر التقديري الذي يخطط له الإنسان ، كالفلاح الذي يحسب عندما يزرع الفدان ويتوقع منه نتاجا يساوى كذا إردبا أو قنطارا ، أو الصانع الذي يقدر لنفسه دخلا محددا من صنعته . هذا هو الحساب ، لكن الإنسان قد يلتفت فيجد أن عطاء اللّه له من غير حساب . وقد يحسب الإنسان مرة ولا يأتي له الرزق . مثال ذلك : قالوا : إن دولة أعلنت أنها زرعت قمحا يكفى الدنيا كلها ، ولكن عندما نضج المحصول هبت عاصفة أهلكت الزرع ، وأكلت هذه الدولة قمحها من